بقلم عبد الرزاق بن شريج
تقديم
بعد المقالة رقم 14 حول «تاريخ تطور التفتيش التربوي»، المنشورة بموقع منبر من أجلكم (www.minajlicom.com) يوم 24 غشت 2026، تحت عنوان: «مركز تكوين مفتشي التعليم: بين المعطى الرسمي ودلالة إعادة الفتح»،
والتي خلصت إلى أن المعطى الرسمي المتداول يربط المركز بسنة 1969، بينما يستخدم مصدر معاصر لتلك السنة عبارة «إعادة الفتح»، وتشير مراجع أخرى إلى وجود سابق لتكوين المفتشين خلال الستينيات، أصبح من الضروري توسيع البحث وعدم الاكتفاء بالمعطى المتداول حول سنة 1969.
وتعزَّز هذا الاتجاه بمجموعة من الوثائق والشهادات التي بدأت ترسم تسلسلا زمنيا أقدم من سنة 1969، وإن كانت لا تحسم بعد مسألة الاستمرارية القانونية والمادية للمركز.
وثيقتان معاصرتان: 1967 و1969
من أهم المعطيات التي ظهرت في هذا البحث ما ورد في حوليات شمال أفريقيا (Annuaire d'Afrique du Nord - AAN)، المجلد 6 (1967)، القسم الخامس: «وثائق مشتركة: المؤتمر المغاربي للتربية الوطنية»، المنشور سنة 1968، (النسخة الفرنسية)، ففي الصفحتين 987 و988، وعند عرض تشكيلة الوفد المغربي، تذكر الحولية في الصفحة 988:
{... ضم وفد المملكة الشريفة برئاسة السيد ناصر الفاسي، كاتب الدولة المساعد في التربية: ... والسيد محمد شفيق، مفتش رئيسي بوزارة التربية، والسيد عبد السلام ياسين، مدير مركز تكوين المفتشين}
وتكتسي هذه الإشارة أهمية خاصة لأنها وثيقة معاصرة للفترة، وتستخدم صراحة تسمية «مركز تكوين المفتشين»، وتصف عبد السلام ياسين سنة 1967 بأنه مديره، وهي بذلك تقدم دليلا مباشرا على أن هذه التسمية كانت مستعملة قبل سنة 1969.
ثم تزداد أهمية هذه الوثيقة عند مقارنتها بما ورد في الصفحة 476 من نفس حوليات شمال أفريقيا، المجلد 8 (1969)، ضمن قسم «الأحداث الاجتماعية والثقافية – المغرب»، الصادر سنة 1970، (النسخة الفرنسية)، حيث جاء:
{ ... أعاد الوزير فتح مركز تكوين المفتشين، والمفتشين المساعدين في الرباط؛ وأجريت مباراة توظيف في شهر نوفمبر..}.
وتطرح عبارة «أعاد فتح» سؤالا تاريخيا واضحا: هل كان المقصود إعادة فتح المؤسسة نفسها بعد توقفها، أم إعادة إطلاق تكوين المفتشين، أم إعادة تنظيم مؤسسة سابقة مع تغيير مقرها أو وضعها الإداري؟
شهادة محمد الناصري: تكوين المفتشين سنة 1963
تعززت هذه المعطيات بشهادة الأستاذ محمد الناصري، الذي كان ضمن أول فوج للمفتشين المساعدين سنة 1963، والمنشورة بموقع منبر من أجلكم (www.minajlicom.com) يوم 20 شتنبر 2026، تحت عنوان: "شهادة الدكتور محمد الناصري حول بدايات تكوين مفتشي التعليم".
ويذكر الناصري أن قسما مكونا من 45 طالب مفتش كانوا يتابعون تكوينه داخل بناية المدرسة العليا للأساتذة بالقرب من قاعة ابن ياسين بالرباط، وأن التكوين انتقل بعد ذلك إلى مدرسة المعلمين بحي المحيط، دون أن يتذكر السنة الدقيقة لهذا الانتقال.
وتكتسي الشهادة أهمية خاصة لأنها تقدم معطى مباشرا عن وجود تكوين للمفتشين في الرباط قبل 1969، وتحدد سنة 1963 لبداية تكوين أول فوج من المفتشين المساعدين، غير أنها لا تثبت وحدها أن البنية التي احتضنت هذا التكوين كانت مؤسسة مستقلة تحمل منذ ذلك التاريخ اسم «مركز تكوين مفتشي التعليم»، ولا تحسم العلاقة بين فضاء التكوين والمؤسسة الإدارية المشرفة عليه.
من 1965 إلى 1967: عبد السلام ياسين ومركز تكوين المفتشين
تدعم شهادة الأستاذ زكي مبارك هذا التسلسل، فقد قال:
"تعرفت على الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله عام 1965م حين عين مديرا لمركز تكوين المفتشين بالرباط، كنت حينها أساعد والدي "باحماد" حارس المؤسسة في بعض أعماله، ...، نشر الحوار بموقع ياسين نت (yassine.net) بتاريخ 5 مارس 2019، تحت عنوان: «يمثل الإمام ياسين مدرسة جديدة في الكتابة التاريخية".
وتكتسي هذه الشهادة أهمية لأنها لا تتحدث فقط عن تكوين للمفتشين، بل تستخدم صراحة تسمية «مركز تكوين المفتشين» وتربط عبد السلام ياسين بإدارته سنة 1965، غير أنها تظل شهادة لاحقة عن الواقعة، ولا تحدد الوضع القانوني للمؤسسة أو مقرها، وتلتقي معها مراجع أخرى.
فقد أورد الباحث Mohamed Eddaoui، في أطروحته La monarchie et l'opposition islamiste au Maroc: Le cas de Jamaat al-Adl wal-Ihsan، في الصفحة 49، وهو ينقل عن Tozy (1999, 188)، أن "عبد السلام ياسين كان بين 1965 و1967 مديرا لمركز تكوين المفتشين"
«Durant deux ans, il est directeur du Centre de formation des inspecteurs à Rabat».
كما ذكر المؤرخ Michel Abitbol في كتابه Histoire du Maroc، الصفحة 526، أن عبد السلام ياسين أصبح بين 1965 و1967:
«directeur du centre de formation des inspecteurs de Rabat».
أما عبد السلام ياسين نفسه، ففي حوار مع قناة الميادين نشر سنة 2008، قال: "كنت مديرا لمدرسة المفتشين، ....توقف عن العمل بسبب المرض سنة 1967".
ورغم اختلاف التسمية، فإن هذه الشهادة تؤكد بدورها توليه مسؤولية إدارة "مؤسسة" تكوين المفتشين قبل 1969، واحتراما للضرورة العلمية والقصوى في التدقيق، ينبغي الحذر من تحويل اختلاف التسميات بين «مدرسة المفتشين» و«مركز تكوين المفتشين» إلى استنتاج حول التطور التنظيمي للمؤسسة قبل العثور على الوثائق الإدارية التي تثبته.
شهادة صلاح بعيز وإعادة الفتح سنة 1969
تضيف شهادة الأستاذ صلاح بعيز، الذي سبق أن عمل أستاذا بمركز تكوين مفتشي التعليم الموجود حاليا بالعكاري، معطى مهما إلى هذا التسلسل، ففي اتصال هاتفي، ذكر أن تكوين المفتشين انطلق لأول مرة في أوائل الستينيات بالمدرسة العليا للأساتذة، وكان الحسين البكاري أول مدير له، ثم خلفه عبد السلام ياسين. وبعد تحويل التكوين إلى مدرسة المعلمين بحي المحيط، انتقل سنة 1969 إلى البناية الحالية بالعكاري، حيث كان قد اشتغل مدرسا، وعين محمد القندوسي مديرا له.
وتقدم هذه الشهادة، إذا ما أمكن تثبيت تفاصيلها بالوثائق، تسلسلا يفسر انتقال التكوين من المدرسة العليا للأساتذة إلى مدرسة المعلمين، ثم إلى البناية الحالية بالعكاري سنة 1969، غير أن الشهادة، في صورتها الحالية، لا تحسم وحدها مدة التوقف بين المرحلتين، ولا ما إذا كان انتقال سنة 1969 يمثل مجرد نقل لمقر التكوين أم إعادة فتح لتكوين كان قد توقف؛ وهي أسئلة يظل حسمها رهينا بالعثور على الوثائق الإدارية المؤيدة.
ماذا تقول النصوص القانونية لسنة 1963؟
تأتي النصوص القانونية لتؤكد أن سنة 1963 كانت بالفعل مرحلة مهمة في تنظيم مسار التفتيش، فقد صدر المرسوم رقم 2.63.070 بتاريخ 13 أبريل 1963، المحدد لشروط توظيف مفتشي تعليم الطور الأول وحالتهم الإدارية، ونص على أن:
"يطلق من الآن فصاعدا على مفتشي التعليم العربي اسم مفتشي تعليم الطور الأول".
كما ربط الولوج إلى هذا المسار بالحصول على «شهادة الكفاءة في تفتيش تعليم الطور الأول»، وحدد شروطا للولوج، منها بلوغ سن 25 سنة وقضاء مدة من الخدمة في التعليم تختلف بحسب الشهادة المحصل عليها، كما تضمنت شهادة الكفاءة في التفتيش اختبارا عمليا يتمثل في تفتيش قسم وتحرير بيان عنه، ورغم أن النص يتحدث عن الترقية لمهمة مفتش الطور الأول وشروط ذلك، فإنه لم يشر إلى شكل التكوين ومدته...
ثم صدر المرسوم رقم 2.63.133 بتاريخ 16 ماي 1963، ونص على أن المفتشين المساعدين يعينون:
"عن طريق المباراة من بين معلمي السلك العام المحرزين شهادة الكفاءة التربوية، من بين المتوفرين على عشر سنوات من الخدمة"، وهو ما ينسجم مع تصريح الأستاذ الناصري والأستاذ بعيز في شأن تكوين المفتشين المساعدين.
وتلاه قرار وزير التربية الوطنية بتاريخ 31 ماي 1963، المحدد لشروط وشكل واختبارات المباراة الخاصة بتعيين المفتشين المساعدين، والتي تضمنت اختبارات كتابية وشفوية وتطبيقية.
وهكذا تكشف النصوص القانونية عن وجود إطار منظم لانتقاء وتكوين فئة من أطر التفتيش في السنة نفسها التي تشير فيها شهادة محمد الناصري إلى تكوين أول فوج من المفتشين المساعدين، كما أكد الدكتور الناصري أن الطلبة المفتشين تم انتقاؤهم من طرف الإدارة سنة 1963، وفي سنة 1964 طبقت شروط المباراة الكتابية والتطبيقية والشفوية.
ما الذي تثبته الشهادات والوثائق؟
تتقاطع شهادة الدكتور محمد الناصري وشهادة صلاح بعيز، في جانب مهم، حول وجود تكوين للمفتشين قبل سنة 1969، كما تشير المعطيات المتوفرة إلى أن مركز باب تامسنا بالعكاري، أي البناية الحالية، بدأ الاشتغال بها خلال السنة الدراسية 1969/1970.
ويبدو أن جزءا من الاختلاف بين الشهادات والمراجع يعود إلى التسميات، فقد تحدث عبد السلام ياسين عن «مدرسة المفتشين»، بينما استعملت مصادر أخرى تسمية «مركز تكوين المفتشين». ولا يبدو أن اختلاف هذه التسميات يعني بالضرورة اختلاف البناية أو المؤسسة؛ إذ يمكن أن تكون التسميتان قد أحالتا إلى وظيفة التكوين نفسها: تكوين المفتشين، سواء سميت المؤسسة "مركزا" أو "مدرسة".
وبناء على ذلك، فإن المعطيات المتوفرة تسمح بالقول إن تكوين المفتشين كان قائما قبل سنة 1969، وأن تسميتي «مركز تكوين المفتشين» و«مدرسة المفتشين» كانتا مستعملتين للدلالة على هذا التكوين، دون أن يثبت ذلك، في حد ذاته، أن البناية الحالية بالعكاري كانت هي نفسها مقر التكوين قبل 1969.
وانطلاقا من الشهادات والوثائق المتوفرة، يتضح أن التكوين استمر إلى السنة الدراسية 1966/1967 على الأقل، وهو ما تؤكده أيضا وثيقة معاصرة لسنة 1967 وصفت عبد السلام ياسين بأنه "مدير مركز تكوين المفتشين".
أما المعطى الذي لم يضبط بعد، فهو مدة توقف التكوين أو إغلاق المركز قبل إعادة فتحه سنة 1969، فهل توقف التكوين خلال السنتين الدراسيتين 1967/1968 و1968/1969، ثم أعيد فتحه مع بداية السنة الدراسية 1969/1970؟ أم أن التوقف اقتصر على السنة الدراسية 1968/1969، مع استمرار التكوين خلال 1967/1968؟
وهنا تحديدا تكتسب عبارة «أعاد الوزير فتح مركز تدريب المفتشين والمفتشين المساعدين في الرباط» الواردة في حوليات شمال أفريقيا سنة 1969 أهميتها؛ فهي تثبت إعادة الفتح، لكنها لا تحدد وحدها مدة التوقف، ولا تكفي للحسم فيما إذا كان الأمر يتعلق باستئناف تكوين متوقف، أم بإعادة تنظيمه ونقله إلى البناية الحالية بالعكاري، وعليه، يمكن في هذه المرحلة تثبيت أمرين بدرجة معقولة من اليقين:
أولا: وجود تكوين للمفتشين قبل 1969؛
ثانيا: بداية اشتغال مركز العكاري في السنة الدراسية 1969/1970.
أما مدة التوقف الفاصلة بين المرحلتين، وما إذا كان التكوين قد استمر خلال 1967/1968، فتظل مسألة مفتوحة إلى أن تظهر وثيقة إدارية أو تربوية تحسمها.
على سبيل الختم
تثبت الشهادات والوثائق وجود تكوين للمفتشين قبل 1969، كما أن مركز العكاري، في بنايته الحالية، بدأ الاشتغال خلال السنة الدراسية 1969/1970؛ أما مدة توقف التكوين، وهل شملت 1967/1968 و1968/1969 معا أم اقتصرت على 1968/1969، فلم تحسم بعد.
أما المرحلة المقبلة من البحث (تاريخ تطور التفتيش التربوي)، فستنتقل إلى ما بعد سنة 1969، مع إبقاء هذا السؤال مفتوحا إلى أن يظهر الدليل الوثائقي الحاسم.