الجزء الأول من حوار مع الخبير التربوي عبد الرزاق بن شريج حول التعيين في المناصب العليا

حوارات تربوية وفكرية

النص القانوني مهما بلغت دقته لا يكفي وحده لضبط انحرافات التعيين في مناصب المسؤولية بوزارة التربية الوطنية



س = ناضلتم سابقا سواء في نقابة مفتشي التعليم أو كباحث تربوي ومن داخل فريق التحديد التربوي ضد ما كنتم تصفونه ب"ريع" التعيين في المناصب المركزية بالوزارة، كيف كان يتم التعاطي مع ما تقدمون من اقتراحات أو انتقادات؟

جواب = عند مناقشة التعيين في المناصب العليا بقطاع التربية الوطنية، سواء تعلق الأمر بالمديرين المركزيين أو مديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، نجد أمامنا، من حيث المبدأ، ترسانة قانونية متكاملة، تبدأ بالدستور، ولا سيما الفصلين 49 و92، وتمر بالقانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، والمرسوم رقم 2.12.412 المتعلق بشروط ومساطر التعيين، وصولا إلى المذكرات الوزارية التي تفتح باب الترشيح وتحدد شروطه ومراحله.
لكن النص القانوني، مهما بلغت دقته، لا يكفي وحده لضبط الانحرافات في الممارسة، فالمسألة لا تتعلق فقط باحترام الشروط الشكلية للمسطرة، وإنما أيضا بمنطق الاختيار وبمدى احترام مبادئ الاستحقاق والحياد وتجنب تضارب المصالح، وقد تظهر المشكلة عندما يتم تكييف المساطر أو توظيفها بما يخدم موازين القوى داخل الإدارة، أو عندما يصبح معيار القرب والثقة الشخصية حاضرا إلى جانب المعايير الموضوعية.
وأستحضر هنا واقعة عشتها شخصيا مع مسؤول مركزي في أعلى المناصب كان له نفوذ في مسار التعيينات، فقد سألته عن أسماء أطر وقامات علمية لها رصيد مهني وأكاديمي معتبر في مجال التربية والتكوين، ومع ذلك أقصيت ملفاتها منذ مرحلة الفرز الإداري، من دون استدعائها للمقابلة، وكان تبريره: "هذه مسؤولية كبيرة جدا، ولا يمكن أن نسلمها لمن لا نعرفه، نحن نطمئن لمن نعرف أنه قادر على تحملها"، وهذه العبارة، في نظري، تكشف إشكالا مؤسساتيا يتجاوز الشخص المعني، لأنها تنقل معيار الاختيار من الاستحقاق المؤسسي إلى معيار الثقة الشخصية، وعندما يصبح الحكم المسبق محددا للائحة المستدعين، تنتفي جزئيا الغاية من المقابلة ومن دراسة المشروع التدبيري.

 

س= لهذه الدرجة، ألا تعتقدون أنه قد تكون هناك نوع من المبالغة؟
ج= لهذه الدرجة،- وتبرز خطورة هذا المنطق بصورة أوضح عندما يتعلق الأمر بمناصب يفترض أن تؤدي وظيفة الرقابة أو التقييم على مجالات سبق للمسؤول نفسه أن كان طرفا مباشرا في تدبيرها، فالنص القانوني لن يضبط وحده هذه الحالات إذا لم تصاحبه قواعد واضحة لتدبير تضارب المصالح.
وما مبرر، مثلا، ترقية شخص كان مديرا للميزانية خلال فترة البرنامج الاستعجالي إلى مفتش للشؤون الإدارية، في الوقت الذي تشمل فيه مهام المفتش العام للشؤون الإدارية تفتيش المديريات المركزية في الشق المالي والمادي والإداري؟ هنا يطرح الأمر سؤالا مؤسساتيا يتعلق بتضارب المصالح: كيف يمكن أن يتولى مسؤول، بعد انتقاله إلى وظيفة تفتيشية، افتحاص وتقييم تدبير ميزانية خلال فترة كان هو نفسه مسؤولا عنها، ثم يرفع تقارير إلى الوزير بشأن سيرها؟ ولا أحتاج هنا إلى التذكير بما كتب حول قضية 900 سيارة للمصلحة، ولا بما أثير حول البرنامج الاستعجالي، لأن جوهر المسألة ليس إصدار حكم مسبق على المسؤول أو على التدبير، وإنما ضمان استقلالية وظيفة الرقابة عن مجال التدبير الذي تخضعه للمراقبة، وتمت ترقيته فيما بعد إلى كاتب عام للوزارة.
والمنطق نفسه يطرح عندما ينتقل مسؤول عن مديرية البرامج والمناهج إلى وظيفة مفتش للشؤون التربوية؛ إذ يصبح من المشروع مؤسساتيا التساؤل عن كيفية ممارسة التفتيش والتقييم على مجال كان المسؤول نفسه يشرف عليه، وعن مدى استقلالية التقارير التي قد تتناول المرحلة التي كان خلالها مديرا للبرامج والمناهج، خصوصا إذا كانت هذه المرحلة قد أثارت انتقادات، بما فيها انتقادات قوية حول التأليف المدرسي وحصص الناشرين وعدم تغيير البرامج منذ أكثر من 20 سنة، وهو ما يجعل قواعد تضارب المصالح والحياد الوظيفي ضرورية، ليس لحماية المؤسسة فقط، وإنما لحماية المسؤول نفسه أيضا من أي شبهة مرتبطة بوظيفته السابقة.


س= إذن ترون أن الإشكال لا يكمن في الانتقال المهني في حد ذاته؟
ج= طبعا، لا يكمن الإشكال في الانتقال المهني في حد ذاته، ولا في افتراض عدم كفاءة أي شخص بسبب انتقاله من وظيفة إلى أخرى، وإنما في ضرورة الفصل الوظيفي بين التدبير والرقابة، ووضع ضمانات مؤسساتية تمنع المسؤول من أن يكون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، طرفا في تقييم قرارات أو تدبيرات كان مسؤولا عنها سابقا.
وقد واصلت التنظيمات والباحثون التنبيه إلى هذه الاختلالات، غير أن ضعف الوساطة النقابية وتراجع بعض آليات الحكامة الإدارية ساهما، في بعض الحالات، في توسيع هامش الممارسة غير المعيارية، ويمكن أن يظهر ذلك، مثلا، في تشكيل لجان الانتقاء، أو في التعامل مع المشاريع التدبيرية، أو في تغليب الاعتبارات الشخصية على منطق التخصص والكفاءة.
ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذه الملاحظات إلى حكم مطلق على جميع التعيينات، لأن التعيينات تختلف من حالة إلى أخرى، كما أن وجود مسطرة قانونية لا يعني بالضرورة أن كل تطبيق لها يشوبه الخلل، المشكلة، في تقديري، ليست في غياب النصوص، بل في مدى ضمان حياد المسطرة، وشفافية معايير الانتقاء، وتكافؤ الفرص، واستقلالية وظائف الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولهذا فإن معالجة ريع المناصب العليا لا تتوقف عند تشديد النصوص أو العقوبات، وإنما تتطلب إصلاحا مؤسساتيا أوسع يقوم على النزاهة والحياد الإداري والاستحقاق والشفافية، وعلى قواعد دقيقة لمنع تضارب المصالح، وعلى ضمان استقلال وظائف التفتيش والتقييم عن مجالات التدبير التي يفترض أن تخضع للمراقبة، كما تتطلب، في تقديري، الانتقال من منطق "الثقة في الأشخاص" إلى منطق "الثقة في المؤسسات والمساطر"، لأن الإدارة العمومية الحديثة لا تبنى على معرفة من نثق بهم، وإنما على قواعد تجعل القرار قابلا للتبرير والمراقبة والمساءلة، أيا كان الشخص الذي اتخذه.

 

س: هل الأمر يتعلق بأشخاص أم بسياسة قطاعية تتحكم فيها السياسة العامة؟

ج = لا أعتقد أن الأمر يحتمل الاختيار بين التفسيرين؛ فنحن أمام تفاعل بين المستوى البنيوي والمستوى الفردي، أي بين الإطار العام الذي تنتج داخله السياسة العمومية، وبين كيفية تنزيلها من طرف الفاعلين الإداريين.
فالسياسة التعليمية لا توجد خارج الدولة والمجتمع، وإنما هي جزء من السياسة العمومية، وتتأثر بالتوجهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة؛ والمدرسة، في التحليل السوسيولوجي للتربية، ليست مجرد مؤسسة لنقل المعارف، وإنما هي أيضا فضاء لإنتاج القيم، وإعادة إنتاج بعض العلاقات الاجتماعية، وممارسة السلطة الرمزية، وقد أبرز بيير بورديو، في هذا السياق، كيف يمكن للمؤسسة التعليمية أن تساهم في إعادة إنتاج البنيات الاجتماعية وعلاقات السيطرة من خلال آليات تبدو، في ظاهرها، محايدة ومؤسساتية.
ومن ثم، فإن طبيعة السياسة العامة تؤثر في السياسة القطاعية، كما أن الخيارات التي تعتمدها الدولة في مجال التربية والتكوين تحدد إلى حد كبير طبيعة الإصلاحات وأهدافها وهوامش الفاعلين داخل المنظومة.
لكن ذلك لا يلغي أثر الفاعل الفردي؛ فالمسؤول الإداري يمتلك، داخل حدود اختصاصه، سلطة تقديرية يمكن أن يستخدمها في تطبيق القواعد وترجمتها إلى ممارسات يومية، كما يمكن أن يوسع، بحسب أسلوب قيادته، هامش العلاقات الشخصية والانطباعات الذاتية داخل الإدارة.
وأستحضر هنا واقعة ميدانية عايشتها أثناء ممارستي لمهام التفتيش التربوي بإحدى المديريات الإقليمية، كان المسؤول الإقليمي آنذاك حريصا على أداء الصلاة في وقتها، وكانت قاعة داخل مقر المديرية مخصصة لهذا الغرض، وخلال فترة تحمله المسؤولية، التي امتدت ثلاث سنوات، أصبح أكثر من 90 في المائة من الموظفين يحرصون على أداء الصلاة جماعة عقب الأذان، وبعد انتقاله، عاد أغلب الموظفين إلى نمطهم السابق، باستثناء من كانوا يواظبون على الصلاة قبل تعيينه.
ولا أستحضر هذه الواقعة للحكم على الأشخاص أو على اختياراتهم الدينية، وإنما باعتبارها مثالا على قوة الثقافة التنظيمية التي يمكن أن تسهم القيادة الإدارية في تشكيلها، وعلى تأثير السلوك الشخصي للمسؤول في بعض الممارسات اليومية داخل الإدارة، سواء تعلق الأمر بالصلاة أو بغيرها من السلوكيات التنظيمية.
وبشكل أكثر وضوحا، يمكن الرجوع إلى كتاباتي حول ما أسميته «الرباعي المركزي»، في إشارة إلى مجموعة من المسؤولين الذين كان لهم، في مرحلة معينة، حضور ونفوذ واسعان في مختلف مفاصل قطاع التربية والتعليم، واليوم لم يتبق من ذلك الرباعي سوى عنصر واحد، ولم تعد له، بحسب ما أعاينه، القوة والنفوذ نفسيهما اللذين كان يتمتع بهما الرباعي في تلك المرحلة.
وهنا تظهر أهمية مفهوم الثقافة التنظيمية؛ فالنصوص تحدد القواعد العامة والهندسة المؤسساتية، لكن القيادة الإدارية تؤثر في كيفية ترجمة هذه القواعد إلى سلوك يومي وممارسات فعلية، وبذلك تضع السياسة العامة الإطار العام والأهداف والهوامش المؤسسية، بينما يشارك الفاعلون الإداريون في إنتاج النتائج من خلال الطريقة التي ينزلون بها هذه السياسات ويمارسون بها سلطاتهم.
لذلك، فإن اختزال الاختلالات في الأشخاص وحدهم يخفي بعدها البنيوي، في حين أن اختزالها في السياسة العامة وحدها يلغي أثر الفاعل الإداري ومسؤوليته، والتحليل الأدق، في تقديري، هو الذي ينظر إلى العلاقة بين الاثنين: بنية مؤسساتية تحدد الإطار والهوامش، وفاعلون يمتلكون قدرة متفاوتة على التأثير في كيفية اشتغال هذه البنية وإنتاج نتائجها.
.... يتبع